ابن كثير
103
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة فيها تكامل بناء مدينة السلام بغداد ، وسكنها المنصور في صفر من هذه السنة ، وكان مقيما قبل ذلك بالهاشمية المتاخمة للكوفة ، وكان قد شرع في بنائها في السنة الخارجة ، وقيل في سنة أربع وأربعين ومائة فالله أعلم . وقد كان السبب الباعث له على بنائها أن الراوندية لما وثبوا عليه بالكوفة ووقاه الله شرهم ، بقيت منهم بقية فخشي على جنده منهم ، فخرج من الكوفة يرتاد لهم . موضعا لبناء مدينة ، فسار في الأرض حتى بلغ الجزيرة فلم ير موضعا أحسن لوضع المدينة من موضع بغداد الذي هي فيه الآن ، وذلك بأنه موضع يغدا إليه ويراح بخيرات ما حوله في البر والبحر ، وهو محصن بدجلة والفرات من ههنا وههنا ، لا يقدر أحد أن يتوصل إلى موضع الخليفة إلا على جسر ، وقد بات به المنصور قبل بنائه ليالي فرأى الرياح تهب به ليلا ونهارا من غير انجعار ولا غبار ، ورأى طيب تلك البقعة وطيب هوائها ، وقد كان في موضعها قرى وديور لعباد النصارى وغيرهم - ذكر ذلك مفصلا بأسمائه وتعداده أبو جعفر ابن جرير - فحينئذ أمر المنصور باختطاطها فرسموها له بالرماد فمشى في طرقها ومسالكها فأعجبه ذلك ، ثم سلم كل ربع منها لأمير يقوم على بنائه ، وأحضر من كل البلاد فعالا وصناعا ومهندسين ، فاجتمع عنده ألوف منهم ، ثم كان هو أول من وضع لبنة فيها بيده وقال : بسم الله والحمد لله ، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . ثم قال : ابنوا على بركة الله . وأمر ببنائها مدورة سمك سورها من أسفله خمسون ذراعا ، ومن أعلاه عشرون ذراعا ، وجعل لها ثمانية أبواب في السور البراني ، ومثلها في الجواني ، وليس كل واحد تجاه الآخر ، ولكن جعله أزور عن الذي يليه ، ولهذا سميت بغداد الزوراء ، لازورار أبوابها بعضها عن بعض ، وقيل سميت بذلك لانحراف دجلة عندها . وبنى قصر الامارة في وسط البلد ليكون الناس منه على حد سواء ، واختط المسجد الجامع إلى جانب القصر ، وكان الذي وضع قبلته الحجاج بن أرطاة . وقال ابن جرير : ويقال إن في قبلته انحرافا يحتاج المصلي فيه أن ينحرف إلى ناحية باب البصرة ، وذكر أن [ قبلة ] ( 1 ) مسجد الرصافة أقرب إلى الصواب منه لأنه بني قبل القصر ، وجامع المدينة بني على القصر ، فاختلت قبلته بسبب ذلك . وذكر ابن جرير عن سليمان بن مجالد أن المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء بها فأبى وامتنع فحلف المنصور أن يتولى له ، وحلف أبو حنيفة أن لا يتولى له ، فولاه القيام بأمر المدينة وضرب اللبن ، وأخذ الرجال بالعمل ، فتولى ذلك حتى فرغوا من استتمام حائط المدينة مما يلي الخندق ، وكان استتمامه في سنة أربع وأربعين ومائة . قال ابن جرير : وذكر عن الهيثم بن عدي : أن المنصور عرض
--> ( 1 ) من الطبري 9 / 261 .